أخبار متنوعة

الصين وإخضاع عمالقة التكنولوجيا لنظامها السياسي

حرب الانترنت بين الصين و الهيمنة الأمريكية وإخضاع عمالقة التكنولوجيا لنظامها السياسي .

لا يقتصر الطموح الصيني على تقزيم الهيمنة الأمريكية الإنترنتية، وإخضاع عمالقة التكنولوجيا لنظامها السياسي، وهو ما تبدو ناجحةً فيه بدرجة كبيرة حتى الآن، وإنما تحاول أيضًا، ببطء وإصرار، إنشاء بديلها الخاص العالمي لما يقدمه وادي السيليكون الأمريكي، وربما لا تلاقي هذه المحاولات النجاح الباهر الذي ينقلها إلى خانة التهديد التكنولوجي للولايات المتحدة وبمثابة الدخول في حرب الإنترنت معه، لكنها محاولات تستحق إلقاء نظرة بالتأكيد.

 

 

منذ عدة أعوام، كانت الصين تواجه مشكلةً تتعلق بانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت هذه المواقع وعلى رأسها فيس بوك وتويتر، تنتشر بتسارع يبدو فيما بعد منبعًا لخطر انفلات الرقابة الصينية الناشئة على الإنترنت الداخلي، لذلك وفي 14 من أغسطس 2009، أطلقت مجموعة سينا الصينية الإعلامية، موقعًا يدعى وي بو. حمل الموقع صفات أشبه بالهجين ما بين فيس بوك وتويتر. وفور إطلاقه حظي بإقبال صيني هائل، أدى إلى أن نسبة 30% من مستخدمي الإنترنت في العالم بأكمله، يستخدمون الموقع. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2012، كان عدد المسجلين في الموقع يتعدى النصف مليار شخص، ثم زاد العدد في العام التالي إلى 600 مليون. في العام الماضي وحسب آخر إحصائية، وصل عدد المستخدمين النشطين في الموقع إلى 222 مليون شخص، وهو حجم سوقي يوازي تويتر تقريبًا.

قبل الانتقال إلى النقطة الثانية، السيد لو وي، سنمر سريعًا على شكل وحجم شبكة الإنترنت الصينية، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ومنذ أقل من عشرين عامًا، كان الهاتف المحمول في الصين رفاهيةً لا يقدر عليها إلا الأغنياء، وكانت الصين معزولةً بشدة، إن أرادت أن تشترى شيئًا، أي شيء، فكل ما سيقال لك على الأغلب “لا يوجد”، كما قال جيريمي جولدكورن، صحافي الشؤون الصينية، في تدوينته الطويلة على موقع قصة الصين. لكن الآن وفي 2016، يمكن لأي صيني أن يشتري أي شيء، من طعام الحيوانات الأليفة إلى مواد كيميائية يمكن استخدامها في صناعة القنابل، بفضل شبكة الإنترنت الداخلية التجارية الصينية التي تضخمت تضخمًا مدهشًا.

لدى الصين حاليًا أكثر من 650 مليون مستخدم إنترنت، وهو أكبر عدد من مستخدمي الشبكة في العالم، منهم نصف مليار يستخدمون الشبكة عبر هواتفهم المحمولة، ولأن عددًا كهذا كفيل بتحويل أي كيان إلى تنين تجاري، فإن الشركات الصينية الإنترنتية تحولت في غضون سنوات قليلة إلى عمالقة عالميين.

تهمين ثلاث شركات عملاقة على سوق الإنترنت الصيني، أولاها هي مجموعة علي بابا الشهيرة لمالكها الملياردير “جاك ما”، أغنى رجل صيني. وتسيطر المجموعة على خدمات إلكترونية كثيرة، لدرجة أن نجاحها همّش تمامًا عملاق خدمات الدفع الإلكتروني الدولي باي بال، لصالح فرع علي بابا “ali baba”، لذلك تبدو باي بال شركة صغيرة محدودة في الصين، كذلك فإن المكافئ لأمازون هو “Tmall.com”، والمكافئ الصيني لـ”eBay” هو موقع “Taobao.com”، هؤلاء الثلاثة، هم أساس شبكة الإنترنت التجارية الصينية. وبنظرة سريعة إلى بورصة نيويورك، وإلى الاستثمارات الأجنبية المليارية التي تختار الشركات الصينية على مثيلتها الأمريكية أو غيرها، سنعرف حجم هذه الكيانات تحديدًا.

الآن نعود إلى السيد لو وي. في عام 2010 مررت الحكومة الصينية تقريرًا احتوى لأول مرة على مصطلح “cyber sovereignty” أو “السيادة السيبرانية”. المصطلح بالغ الأهمية، وهو الذي شكّل التعامل الحكومي الصيني مع الإنترنت فيما بعد، كما قال جيريمي. بعد ذلك شهدت الصين صعود الرئيس الحالي ورجل الصين القوي شي جين بينغ، والذي بدأ في نقل المصطلح إلى أرض الواقع.

من جهة أخر في عام 2013، عانت أبل من ضغط إعلامي صيني كبير، وكان السبب الرئيسي لذلك شهادة ضمان أبل في الصين، والتي انتقدتها وسائل الإعلام الصينية لكونها تنص على إصلاح عيوب الصناعة في أجهزة الشركة، وهو ما وصفته تلك الوسائل بالتمييز بين الصين وبلدان أخرى تقوم فيها أبل بتغيير الجهاز ذي العيوب بوحدة جديدة مباشرة. ردت أبل حينها بتصريح رسمي، قائلة إن شهادة الضمان في الصين كمثيلتها في الولايات المتحدة، ما أدى بالصين لوصف رد أبل الرسمي بـ”الفارغ والنرجسي”.

ولأن السوق الصيني لا يصلح للعبث، وأبل ليست على استعداد لخسارته بأي شكل، وبعد توالي الهجوم الإعلامي الصيني، أصدر تيم كوك المدير التنفيذي لعملاق التكنولوجيا الأمريكي، ورجلها الأول، اعتذارًا رسميًّا من الشركة، مع تغييرات على وثيقة الضمان لـ “خدمة المستخدم الصيني بشكل أفضل”، كما جاء في البيان.

إذًا الجولة الأهم في تاريخ العلاقات الصينية التجارية مع أبل ربحتها الصين، لكن الأمر لم يتوقف، فبعد ذلك بعام، وفي يوليو (تموز) من 2014، شن التلفاز الرسمي الصيني هجومًا جديدًا على أبل واصفًا خاصية “المواقع المألوفة” أو “Frequent Locations” بـ “التهديد للأمن القومي”. ولفهم أكبر، فإن الخاصية تعمل على تحديد إحداثيات جغرافية دقيقة جدًّا للأماكن التي يتردد عليها المستخدم بكثرة أو بنمط منتظم، وهو ما عدته السلطات الصينية خطرًا ماثلًا يمكن من خلاله تتبع الأماكن الصينية الحساسة وتحديد مواقعها، ولأن الأمر جاء بعد فضيحة سنودن فإن الصين استغلته الاستغلال الأمثل، واصفة البيانات التي تجمعها الخاصية في خوادم أبل بـ”منجم ذهب” للحكومة الأمريكية.

بعد ذلك بشهر واحد، وفي أغسطس (آب)، أعلنت أبل أنها أكملت نقل بيانات عملائها الصينيين على خدمتها الشهيرة للحوسبة السحابية (ICloud)، إلى خوادم حاسوبية في الصين تابعة لشركة اتصالات الصين، فضلًا عن إعلانها أن كافة البيانات ستخزن على الأراضي الصينية، الأمر الذي مثّل مفاجأةً كبيرةً نظرًا لسمعة الشركة وصرامتها في عدم تخزين البيانات في دول لا تتمتع بحقوق حماية المعلومات، والصين على رأس هذه الدول بالطبع، وردت الشركة على هذه المخاوف قائلة إن مفاتيح البيانات المشفرة لن تسلم بالطبع إلى شركة الاتصالات الصينية، فضلًا عن أنهم سيحتفظون بهذه المفاتيح خارج البلاد، لكن ما حدث عزاه البعض للضغط الصيني المعتاد على الشركة، وخاصةً اعتراضهم على خاصية الأماكن المألوفة، ما بدا وكأن إدارة فضاء السايبر (CAC) تمارس مهامها بنجاح تام.

إذن يسعى الثلاثي الإنترنتي الصيني الذي ذكرناه أعلاه، والذي يهيمن على الشبكة في الصين، ويعرف اختصارًا بـ”BAT”، إلى الخروج من السوق الصيني شديد الاتساع والضخامة، والاستثمار في الخارج ومنافسة شركات وادي السيليكون، فمثلًا افتتح عملاق الخدمات الإنترنتية “Baidu” مختبرًا للذكاء الاصطناعي في قلب وادي السيليكون، وعينت “أندرو إنج”، أحد كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي في جوجل سابقًا مديرًا للمختبر. وتمتلك الشركة أيضًا محرك بحث في اليابان تحاول به مغازلة سوق الأعمال الياباني، وإن لم يحقق نجاحًا كبيرًا حتى الآن، فضلًا عما تفعله الشركة من محاولات تطوير محرك بحثها الشعبي الأول في الصين بلغتين جديدتين، وهما العربية والتايلاندية، مع تجربة المحرك بين مجموعات صغيرة من المصريين والتايلانديين تمهيدًا لاقتحام هذه الأسواق الواعدة

الوسوم

EMAD ELSAID

عماد السعيد, مؤسس ومدير موقع التقنية للبرامج والتطبيقات . لا أبخل على أحد بما وهبني الله به، واهتم في جمع الاخبار التقنية | التقنية للبرامج | ألعاب | تطبيقات | الهواتف الذكية | التقنيات الحديثة . والكتابة عن ايقوناتي نظام أندرويد ونظام iOS،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق